ابن المقفع

169

آثار ابن المقفع

في وكره إذ بصياد قبيح المنظر ، سئ الخلق ؛ وقبح منظره يدل على سوء مخبره « 1 » على عاتقه « 2 » شبكة وفي يده عصا مقبلا نحو الشجرة فذعر منه الغراب وقال : لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان اما حيني « 3 » وإما حين غيري فلأثبتن في مكاني حتى أنظر ما ذا يصنع ؟ ثم إن الصياد نصب شبكته ونثر عليها الحب وكمن قريبا منها . فلم يلبث إلا قليلا حتى مرت به حمامة يقال لها المطوقة وكانت سيدة الحمام ومعها حمام كثير ، فعميت هي وصاحبتها عن الشرك فوقعن على الحب يلتقطنه فعلقن في الشبكة كلهن وأقبل الصياد فرحا مسرورا . فجعلت كل حمامة تتلجلج « 4 » في حبائلها « 5 » وتلتمس الخلاص لنفسها ، قالت المطوقة : لا تخاذلن « 6 » في المعالجة « 7 » ولا تكن نفس إحداكن أهم إليها من نفس صاحبتها ، ولكن نتعاون جميعنا ونطير كطائر واحد فينجو بعضنا ببعض فجمعن أنفسهن ووثبن وثبة واحدة فقلعن الشبكة جميعهن بتعاونهن وعلون بها في الجو . ولم يقطع الصياد رجاءه منهن وظن أنهن لا يجاوزن الا « 8 » قريبا حتى يقعن . فقال الغراب : لأتبعهن وأنظر ما يكون منهن . فالتفتت المطوقة فرأت الصياد يتبعهن فقالت للحمام : هذا الصياد جاد في طلبكن ، فإن نحن أخذنا في الفضاء لم يخف عليه أمرنا ولم يزل يتبعنا ، وان نحن توجهنا إلى العمران خفي عليه أمرنا وانصرف . وبمكان كذا جرذ هو لي أخ فلو انتهينا اليه قطع عنا هذا الشرك ففعلن ذلك وأيس « 9 » الصياد منهن وانصرف . وتبعهن الغراب لينظر إليهن لعله

--> ( 1 ) مخبره : ما يختبر منه أي ذاته . ( 2 ) العاتق : ما بين الكتف والعنق . ( 3 ) حيني : هلاكي . ( 4 ) تتلجلج : ترتبك . ( 5 ) حبائلها : أشراكها . ( 6 ) لا تخاذلن : لا تتركن التعاون . ( 7 ) المعالجة : المحاولة . ( 8 ) يجاوزن : يقطعن . ( 9 ) أيس : يئس .